العيني
190
عمدة القاري
الروايات : فخرج بين بريرة ونوبة ، بضم النون وفتح الباء الموحدة ؛ وكان عبدا أسود ، ويدل عليه حديث سالم بن عبيد في صحيح ابن خزيمة بلفظ : فخرج بين بريرة ورجل آخر ، وقال بعضهم : وذكره بعضهم في النساء الصحابيات ، وهو وهم ، قلت : أراد بالبعض الذهبي ، فإنه ذكر : نوبة ، في باب النون في الصحابيات ، وقال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في مرضه بين بريرة ونوبة ، وإسناده جيد ، وقد علمت أن الذهبي من جهابذة المتأخرين لا يجاري في فنه . قوله : ( يخطان الأرض ) أي : لم يكن يقدر على رفعهما من الأرض . قوله : ( أن مكانك ) ، كلمة : أن ، بفتح الهمزة وسكون النون ، ومكانك ، منصوب على معنى : إلزم مكانك ، وفي رواية عاصم : أن أثبت مكانك ، وفي رواية موسى بن أبي عائشة . فأومأ إليه بأن لا يتأخر . قوله : ( ثم أتي به ) بضم الهمزة أي : أتي برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلى جنبه ، وبين ذلك في رواية الأعمش : حتى جلس عن يسار أبي بكر ، على ما سيأتي في : باب مكان الجلوس . وقال القرطبي في ( شرح مسلم ) : لم يقع في الصحيح بيان جلوسه صلى الله عليه وسلم هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره ؟ قلت : هذا غفلة منه ، وقد بيّن ذلك في ( الصحيح ) كما ذكرناه الآن . قوله : ( فقيل للأعمش ) ، هو سليمان ، ويروى : قيل ، بدون الفاء ، وظاهر هذا أنه منقطع لأن الأعمش لم يسنده ، لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلاً بالحديث ، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة . ذكر ما يستفاد من هذه القصة : وهو على وجوه : الأول : فيه الإشارة إلى تعظيم الصلاة بالجماعة . الثاني : فيه تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة . الثالث : فيه فضيلة عمر بن الخطاب بعده . الرابع : فيه جواز الثناء في الوجه لمن أمن عليه الإعجاب . الخامس : فيه ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه وخصوصا لعائشة . السادس : في هذه القصة وجوب القسم على النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيها : فأذنِّ له ، أي : فأذنت له نساؤه صلى الله عليه وسلم ، بالتمريض في بيت عائشة ، على ما سيأتي . السابع : فيه جواز مراجعة الصغير للكبير . الثامن : فيه المشاورة في الأمر العام . التاسع : فيه الأدب مع الكبير حيث أراد أبو بكر التأخر عن الصف . العاشر : البكاء في الصلاة لا يبطلها وإن كثر ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء ولم يعدل عنه ، ولا نهاه عن البكاء . وأما في هذا الزمان فقد قال أصحابنا : إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه ، فإن كان من ذكر الجنة أو النار لم يقطع صلاته ، وإن كان من وجع في بدنه أو مصيبة في ماله أو أهله قطعها ، وبه قال مالك وأحمد وقال الشافعي : البكاء والأنين والتأوه يبطل الصلاة إذا كانت حرفين ، سواء بكى للدنيا أو للآخرة . الحادي عشر : أن الإيماء يقوم مقام النطق ، لكن يحتمل أن اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الإشارة أن يكون لضعف صوته ، ويحتمل أن يكون للإعلام ، بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق . الثاني عشر : فيه تأكيد أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد ، وإن كان المرض يرخص في تركها ، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأمثل ، وإن كانت الرخصة أولى . الثالث عشر : استدل به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض ، وهو مختار الطبري أيضا ، وأشار إليه البخاري كما يأتي إن شاء الله تعالى ، ورد بأن أبا بكر ، رضي الله تعالى عنه ، كان مبلغا ، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤه بصوته ، والدليل عليه أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا ، وأبو بكر كان قائما ، فكانت بعض أفعاله تخفى على بعض المأمومين ، فلأجل ذلك كان أبو بكر كالإمام في حقهم . الرابع عشر : استدل به البعض على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة ، لصنيع أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه . الخامس عشر : استدل به البعض على جواز مخالفة موقف الإمام للضرورة ، كمن قصد أن يبلغ عنه ، ويلتحق به من زحم عن الصف . السادس عشر : فيه اتباع صوت المكبر وصحة صلاة المستمع والسامع ، ومنهم من شرط في صحته تقدم إذن الإمام . السابع عشر : استدل به الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به ، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة . الثامن عشر : فيه جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة . التاسع عشر : استدل به البعض على جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام ، بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والدليل عليه ما رواه أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس : فابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث انتهى أبو بكر ، كما قدمناه . العشرون : استدل به على صحة صلاة القادر على القيام قائما خلف القاعد ، خلافا للمالكية وأحمد حيث أوجب القعود على من يصلي خلف القاعد . قلت : يصلي القائم خلف